يكرس التمييز والقمع.. النظام القضائي الجديد في أفغانستان يثير القلق الدولي
يكرس التمييز والقمع.. النظام القضائي الجديد في أفغانستان يثير القلق الدولي
أكد ريتشارد لينزي، المبعوث البريطاني الخاص إلى أفغانستان، أن تحقيق العدالة والسلام المستدام في أفغانستان لن يكون ممكنًا إلا من خلال احترام حقوق جميع مواطنيها، محذرًا من أن النظام الجزائي الجديد الصادر عن محاكم طالبان ينتهك هذه الحقوق الأساسية، ويقوض أي فرصة لمستقبل مستقر وعادل، وأوضح المسؤول البريطاني أن هذا النظام يعكس محاولة لترسيخ سيطرة الحركة على المجتمع عبر قوانين تمييزية وعقوبات تعسفية.
وذكرت شبكة "أفغانستان إنترناشيونال" السبت أن لينزي نشر عبر منصة "إكس" تعليقًا على نشر هذه التعليمات القضائية، مشيرًا إلى أن النظام الجزائي يظهر بوضوح أن طالبان وضعت قوانين تهدف إلى تمييز النساء والأقليات وكل من لا ينسجم مع المعايير الصارمة التي تفرضها الحركة، وأضاف أن هذه البنود تتعارض مع حقوق جميع الأفغان، وتشكل معوقًا أمام أي مسار نحو العدالة أو السلام المستدام في أفغانستان.
ردود فعل محلية ودولية
نشْر النظام الجزائي خلال الأيام الأخيرة أثار موجة من الانتقادات على الصعيدين المحلي والدولي. فقد اعتبرت منظمات حقوقية متعددة أن الوثيقة تنتهك مبادئ المحاكمة العادلة، وتشكل قمعًا واضحًا للحقوق الأساسية للمواطنين في أفغانستان، كما أعربت شخصيات سياسية أفغانية عن قلقها من أن النظام يكرس التمييز ويقوض استقلال القضاء ويعزز الإفلات من العقاب، هذه الانتقادات تأتي في وقت يراقب فيه المجتمع الدولي بدقة تطبيق قوانين طالبان في الداخل، وسط مخاوف من تفاقم الانتهاكات ضد الفئات الأضعف.
يحمل النظام توقيع زعيم حركة طالبان هبة الله آخندزاده، وقد تم تعميمه على جميع محاكم الحركة للتنفيذ، ويضع هذا النظام إطارًا صارمًا للإجراءات الجزائية، من شأنه أن يوسع صلاحيات المحاكم في فرض العقوبات دون أي ضمانات كافية للمتهمين، ويشير النقاد إلى أن النظام يطبق مقاييس مختلفة وفق الطبقة الاجتماعية، ما يسمح بتبرير العقوبات التعسفية ويكرس النفوذ المطلق لطالبان على المجتمع.
تصنيف اجتماعي وتمييز
يتضمن النظام الجزائي الجديد تصنيفًا اجتماعيًا صارخًا، حيث يفرض معايير مختلفة للرجال والنساء، ولرجال الدين، ولأفراد الطبقات الدنيا، وتعد هذه الممارسات انتهاكًا واضحًا لمبادئ المساواة أمام القانون، وتمنح حركة طالبان سلطة غير محدودة في فرض العقوبات، ومنها الجلد والسجن والإبعاد، ويرى المحللون أن هذا التصنيف يعزز سيطرة الحركة على السكان ويقلل من فرص المساءلة القانونية أو العدالة الحقيقية.
تداعيات حقوقية وقانونية
تؤكد المراقبة الدولية أن هذا النظام قد يفاقم الانتهاكات الحقوقية في أفغانستان، ويضع المدنيين، ولا سيما النساء والأقليات، في مواجهة مباشرة مع قوانين تعسفية تفتقر إلى أي حماية قضائية، ويشير الخبراء إلى أن استمرار تطبيق النظام دون مراجعة أو إشراف مستقل يهدد حقوق الإنسان الأساسية ويخلق بيئة خوف واضطهاد، كما يعرقل جهود المجتمع الدولي في دعم أي مسار نحو حكم مستدام وقائم على العدالة.
وفي وقت سابق، وصفت شهرزاد أكبر، الرئيسة السابقة للجنة حقوق الإنسان الأفغانية، لائحة العقوبات بأنها “جحيم جديد ومرعب”، مؤكدة أنها مليئة بمفاهيم قمعية تستهدف جوهر الكرامة الإنسانية.
وأشارت إلى أن الوثيقة تبرر العنف الجسدي ضد النساء والأطفال، وتشرعن استهداف الأقليات، كما تعيد إنتاج تصنيفات اجتماعية خطيرة تُقسّم الناس إلى فئات وتُقصي المخالفين.
كما حذرت حركة النساء من أجل السلام والحرية من خطورة القوانين الجديدة الصادرة عن محاكم حركة طالبان، معتبرة أنها تمثل خطوة خطيرة نحو تقنين العنف وترسيخه بوصفه جزءاً من النظام القانوني في أفغانستان، وأكدت الحركة أن هذه التشريعات لا تهدف إلى تحقيق العدالة، بل تسعى إلى تطبيع الجرائم وتحويلها إلى قوانين ملزمة، ما يفتح الباب أمام انتهاكات واسعة ومنهجية لحقوق الإنسان، وعلى رأسها حقوق النساء.
طالبت حركة النساء من أجل السلام والحرية المجتمع الدولي باتخاذ موقف حازم إزاء هذه التطورات، داعية إلى مساءلة حركة طالبان ومحاسبتها على الانتهاكات المنهجية والمتواصلة لحقوق الإنسان، ولا سيما الجرائم المرتكبة بحق النساء، كما شددت على ضرورة زيادة الضغوط السياسية والدبلوماسية الفاعلة والموجهة، مؤكدة أن الصمت الدولي يشجع على استمرار القمع ويمنح طالبان مساحة أوسع لتكريس سياساتها التمييزية.
تعزيز النفوذ والسيطرة
بالإضافة إلى الانتهاكات المباشرة للحقوق، يعزز النظام الجزائي النفوذ والسيطرة القضائية المطلقة لطالبان، فالمسؤولون القضائيون في الحركة أصبحوا قادرين على إصدار أحكام بناءً على معايير الحركة الصارمة، ما يقلل من أي دور مستقل للقضاء ويؤدي إلى إفلات من العقاب، وتؤكد التحليلات أن هذه السيطرة تمثل خطراً على أي إصلاحات مستقبلية، وعلى بناء مؤسسات دولة مستقلة في أفغانستان.
يعد النظام الجزائي الجديد لطالبان جزءًا من جهود الحركة لترسيخ سيطرتها على أفغانستان بعد استيلائها على السلطة في أغسطس 2021، ويعكس النظام نهج طالبان التقليدي في القضاء، الذي يعتمد على تفسيرها الخاص للشريعة الإسلامية، مع تغييب أي معايير دولية للعدالة وحقوق الإنسان، وتشير تقارير حقوقية أممية ودولية إلى أن تطبيق هذه الأنظمة يزيد من تعرض المدنيين، وخاصة النساء والأقليات، لانتهاكات جسيمة، منها حرمانهم من التعليم والعمل والحياة الكريمة، وتسلط الوثائق الأخيرة الضوء على الفجوة الكبيرة بين مطالب المجتمع الدولي بحكم عادل وحماية الحقوق الأساسية، وبين الممارسات الفعلية التي تنتهجها طالبان، ما يضع أفغانستان أمام تحديات عميقة في تحقيق السلام والعدالة وحقوق الإنسان لجميع مواطنيها.











